السيد محمد تقي المدرسي
248
من هدى القرآن
كيف يشاء ، ومتى أراد ، لا يمنعه عن ذلك مانع أبدا ، وليس لسواه هذه القدرة في الملك ، والهيمنة عليه . وما دامت حياة الإنسان بيد الله فهل هو المالك أم الله ؟ وكيف يملك شيئا من لا يملك حياته . أوليس الإنسان يملك ما يملك بحياته التي تمكنه من الحركة والتصرف ؟ . ومع أن الحياة والموت من أبرز مظاهر الملك والهيمنة الإلهية على الخلق ، إلا أن قدرته تعالى ليست محدودة في ذلك حسب ، بل هي مطلقة وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ أما نحن فلا نستطيع أن نفعل كل شيء وكيفما نشاء فيما نملك . [ 3 ] هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ لم يكن مثله أحد فهو أزلي ، وحيث تأخر الوجود عنه فهو محدث من صنعه عز وجل ، وتتجلى هذه الحقيقة مرة أخرى حيث يصير الخلق إلى العدم ويبقى وجهه تعالى ، ولأنه الأول فهو الذي أحيا الخلق وأوجده ، ولأنه الآخر فهو الذي يميته بقدرته وحكمته ، كما أنه الظاهر بلا خفاء ، فالوجود كله آيات تهدينا إليه ، لأنه القاهر فوق عباده . وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ ظاهر بأسمائه وصفاته وتجلياته في الوجود ، تدرك ذلك حواس الإنسان ، ويراه قلبه وعقله ، وهو باطن بذاته التي لا يعلم كنهها أحد من خلقه ، ولكن ذلك لا يعني أنه غائب عن الخلق ، بل إن علمه نافذ إلى أعماق كل شيء . وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ سعة علمه كسعة قدرته ، وتكفي هذه الآية تحسيسا للإنسان بشهود ربه ، وردعا له عن اقتحام المعصية . وهناك صلة بين الآيتين وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ بالآية وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ فالعزة بالقدرة المطلقة ، والحكمة بالعلم المطلق ، الذي هو أبرز جوانبها ومقوماتها ، وربنا بعلمه يقدر ويقضي ، وبقدرته يمضي ما قضاه . وروي عن الإمام الرضا عليه السلام وهو يبين أن الكلمات تشترك بيننا وبين ربنا اشتراكا لفظيًّا لا معنويًّا ، ويستعرض بعض أسماء الله التي تختلف معانيها عما يوجد عندنا من أمثالها ، إلى أن قال في معنى الظاهر والباطن : « وأَمَّا الظَّاهِرُ فَلَيْسَ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ عَلَا الأَشْيَاءَ بِرُكُوبٍ فَوْقَهَا وقُعُودٍ عَلَيْهَا وتَسَنُّمٍ لِذُرَاهَا ، ولَكِنْ ذَلِكَ لِقَهْرِهِ ولِغَلَبَتِهِ الأَشْيَاءَ وقُدْرَتِهِ عَلَيْهَا ، كَقَوْلِ الرَّجُلِ : ظَهَرْتُ عَلَى أَعْدَائِي وأَظْهَرَنِي اللهُ عَلَى خَصْمِي ؛ يُخْبِرُ عَنِ الفَلْجِ والغَلَبَةِ ، فَهَكَذَا ظُهُورُ الله عَلَى الأَشْيَاءِ . ووَجْهٌ آخَرُ أَنَّهُ الظَّاهِرُ لِمَنْ أَرَادَهُ ولَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ ، وأَنَّهُ مُدَبِّرٌ لِكُلِّ مَا بَرَأَ فَأَيُّ ظَاهِرٍ أَظْهَرُ وأَوْضَحُ مِنَ الله تَبَارَكَ وتَعَالَى ؛ لِأَنَّكَ لَا تَعْدَمُ صَنْعَتَهُ حَيْثُمَا تَوَجَّهَتْ ، وفِيكَ مِنْ آثَارِهِ مَا يُغْنِيكَ ، والظَّاهِرُ مِنَّا البَارِزُ بِنَفْسِهِ والمَعْلُومُ بِحَدِّهِ ، فَقَدْ جَمَعَنَا الِاسْمُ ولَمْ يَجْمَعْنَا المَعْنَى .